جلال الدين السيوطي

712

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وأخرج الخطيب عن المبرّد قال : قال لي المازنيّ : يا أبا العباس ، بلغني أنّك تنصرف من مجلسنا ، فتصير إلى المخيس ، وإلى موضع المجانين والمعالجين ، فما معك من ذلك ؟ قال : فقلت : إنّ لهم طرائف من الكلام وعجائب من الأقسام . فقال : خبّرني بأعجب ما رأيت من المجانين . فقلت : دخلت يوما إلى مستقرّهم ، فرأيت مراتبهم على مقدار بليّتهم ، وإذا قوم قيام قد شدّت أيديهم إلى الحيطان بالسلاسل ، فمررت على شيخ منهم وهو جالس على حصير نظيف ووجهه إلى القبلة ، فجاوزته إلى غيره ، فناداني : سبحان الله أين السلام ؟ من المجنون ؟ ترى أنا أم أنت ؟ فاستحييت منه ، وقلت : السلام عليكم . فقال : لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الردّ عليك ، على أنّا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر لأنّه كان يقال : إنّ للداخل على القوم دهشة . ثم قال وقد رأى معي محبرة : يا هذا أرى آلة رجلين ، أرجو أن لا تكون أحدهما ؛ أتجالس أصحاب الحديث الأغثاء أم الأدباء أصحاب النحو والشعر ؟ قلت : الأدباء . قال : أتعرف أبا عثمان المازنيّ ؟ قلت : نعم ، معرفة ثاقبة . قال : فتعرف الذي يقول فيه : وفتى من مازن * ساد أهل البصرة أمّه معرفة * وأبوه نكره قلت : لا أعرفه . قال : فتعرف غلاما له قد نبغ في هذا العصر ، معه ذهن وله حفظ ، قد برز في النحو ، وجلس في مجلس صاحبه ، وشاركه فيه ، يعرف بالمبرّد ؟ قلت : أنا والله عين الخبير به . قال : فهل أنشدك شيئا من عبثات شعره ؟ قلت : لا أحسبه يقول الشعر . قال : يا سبحان الله ، أليس هو الذي يقول : حبّذا ماء العناقي * د بريق الغانيات بهما ينبت لحمي * ودمي أيّ نبات أيّها الطالب أشهى * من لذيذ الشهوات كل بماء المزن تفا * ح الخدود الناعمات